لم يعدِ العصر الرقمي يكتفي بقضم مساحاتنا الجغرافية ووقتنا فقد امتدت خوارزمياته لتستعمر المساحة الأكثر حميمية في الوجود الإنساني: "عالم المشاعر" في غفلة من الوعي الجمعي جرى تحول بنيوي صامت في طريقتنا للتعبير عن ذواتنا فانتقلنا من مرحلة "الشعور بالتجربة" إلى مرحلة "إخراج التجربة لتبدو صالحة للعرض" إنها ظاهرة "تسليع المشاعر" حيث لم تعدِ العواطف حالاتٍ جوانية تُعاش إنما أصبحت مواد أولية لصناعة "المحتوى" وجلب التفاعل.
من العفوية إلى الكادر.. المشهد كما تصنعه الشاشات
في عالمٍ يقدس السرعة والظهور فقدت العواطف أصالتها التاريخية فالحزن الذي كان يتطلب في غابر الأيام اعتزالاً طويلاً وفترة حداد تعيد للروح توازنها أصبح اليوم يُهندس بعناية؛ يُكثَّف في سطرين "مقتبسين" بعناية وتُختار له موسيقى تصويرية ذات نبرة شجية لـ "الستوري" ويُلقى به في فضاء المنصات بانتظار تعاطفٍ رقمي مقاسُه عدد الإعجابات.
حتى الفرح لم يعد ذلك التدفق الفجائي الذي يملأ الصدر؛ غدا مشهداً ممسرحاً يخضع لشروط "الجماليات الرقمية" نبتسم للكاميرا لا للّحظة ونرتب كادر الصورة قبل أن نتذوق طعم المناسبة أما تجارب التخطي والتعافي النفسي، فقد أُنزلت هي الأخرى إلى سوق السلع؛ إذ تحولت إلى "وصفات سحرية" معلبة تبيعها كتب التنمية البشرية ومقاطع الفيديو القصيرة، مدعيةً قدرتها على برمجة العقل البشري لتجاوز أعمق الصدمات في خطوات معدودة.
الأثر النفسي.. تراكم الثقل في العقول المستعجلة
إن جوهر المشكلة في تسليع العواطف يكمن في تصادمها مع الطبيعة البيولوجية والنفسية للإنسان، المشاعر - بنيوياً- كائنات بطيئة؛ تحتاج وقتًا لتبدأ ووقتًا لتصل إلى ذروتها ووقتًا لتهدأ وتتلاشى.
عندما تُجبر هذه الكائنات البطيئة على مجاراة إيقاع الشاشة السريع (فيديوهات الـ 30 ثانية والتمرير اللانهائي) يحدث شرخ في الذات؛ فالشعور الذي لا يجد وقتاً لينضج لا يختفي إنما ينكفئ نحو الداخل ويتخزن في اللاوعي. هذا الهروب المستمر نحو الاستعجال والتخطي المزيف هو المغذي الأول لحالات القلق والاضطرابات الجسدية غير مبررة السبب والاحتراق النفسي الذي يعاني منه إنسان العصر الحديث.!
علاوة على ذلك فإن هذا النمط يُحل "التعاطف الرمزي" بدلاً من الاتصال الإنساني الحقيقي -الإيموجي- الداعم أو التعليق العابر لا يمكنه ترميم روح مكسورة ولكنه يمنح صاحبه مخدراً مؤقتاً يغنيه عن مواجهة حقيقية مع ذاته أو مع محيطه الملموس.
استرداد الأصالة.. في الحاجة إلى "ثورة البطء"
أمام هذا التدفق الاستهلاكي الذي يجرد الإنسان من عمقه تبرز الحاجة إلى صياغة "منهج" جديد للمواجهة النفسية يطالب بالعودة إلى الفوضى الإنسانية الأولى بعيداً عن صرامة التصنيع الرقمي ويبدأ هذا الحراك من إعادة الاعتبار للحزن الفوضوي ومنح أنفسنا الحق في أن نحزن بشكل غير منسق وبدون كادر تصويري نظيف أو رغبة في إشراك العالم بوعكتنا النفسية، فالحزن المظلم والخاص هو الذي يرمم الروح وليس ذلك الحزن الاستعراضي الذي ننتظر منه حصد التفاعل. ويتجلى هذا الاسترداد أيضاً في الإيمان بقدسية التجارب السرية واليقين بأن الأشياء التي لا نشاركها مع الشاشة تظل محتفظة بسحرها وعمقها الكامل إذ إن الفرح الحقيقي هو الذي يُعاش بكامل الحواس الخمس في الواقع لا من خلال عدسة الكاميرا الضيقة.
وينتهي هذا المسار بالانفصال الواعي الذي يمنح العقل مساحات من الصمت التام، بعيداً عن ضجيج النصائح الجاهزة التي يضخها مؤثرو "الطاقة الإيجابية" ليتسنى للصوت الداخلي الخافت أن يتحدث أخيراً ويعبر بصدق عن حقيقة ما يمر به الإنسان.
ختامًا..
إن مشاعرنا ليست عبئاً يتطلب التخلص منه بأسرع وسيلة وليست بضاعة تُعرض في مزادات التفاعل اليومية. هي البوصلة الأخيرة التي تؤكد بشريتنا في عالم شبه آلي.. إن حماية هذه العواطف من التسليع والاستعجال ليست ترفًا فكريًا، إنما هي خط الدفاع الأخير عن هويتنا الإنسانية. لنحزن على مهلنا ولنفرح بلا كادر ولنعطِ قلوبنا الوقت الكافي لتعيش.. فعلى هذه الأرض ما زال هناك متسع للبطء.