منصة ثقافية عربية تهتم بتوثيق اليوميات، تقديم محتوى بودكاست مثرٍ، ونشر تقارير ومقالات معمقة تلامس الواقع
" سجن عينين ذابلتين"..  هكذا عاد الرافعي وهذا ما يفعله الحب في الإنسان
الرئيسية

" سجن عينين ذابلتين".. هكذا عاد الرافعي وهذا ما يفعله الحب في الإنسان

Murhaf Admin 19 Jun 2026 1 دقائق قراءة 31 مشاهدة

وُجد الحب ليكسر أصنامك، ويهزم أنانيتك، ويحيي كل ميتٍ بداخلك، وجد الحب لتعود إلى إنسانيتك، تتعشق محبوبك، فترى به جمال الكون وجمالك.

أحب بين الحين والآخر أن أعود إلى ما خطّه الرافعي وأبدعه من الجمال، وآنسني هذه المرة بكتابه #رسائل_الأحزان، الذي يشرح في مقدمته كيف نسيه صديقه العزيز وغاب عنه حولاً كاملاً، ليستيقظ ذات يوم على رسالة تأتيه من ذلك الصديق، يخبره الخبر قائلاً: "فقدتني زمناً، إن يكن في قلبك منه وخزة ففي قلبي منه كحز السيف، لم أنسك نسيان الجحود، وقد كنت في سجن وأنا الساعة منطلق منه.. لا تجزع، إن هو سجن عينين ذابلتين، كان قلبي المسكين يتمزَّع في أشعة ألحاظها”


وقد صدق الشاعر إذ قال:

فلما رآني العاذلون متيماً .. أهيم بمن أهوى وعقلي ذاهب

رثوا لي وقالوا كنت بالأمس عاقلاً .. أصابتك عينٌ؟ قلتُ عينٌ وحاجبُ


يكمل صديق الرافعي قائلاً -وهنا الشاهد- : " فقدتني صديقاً يهز يديك بتحيته، والآن أعود شاعراً يهز قلبك بأنينه، فقدتني شخصاً وسأرجع إليك كتاباً".

"على أنك لم تفقد مني في هذه السنة إلا بضعة كتب، وكلاماً كنا نتراسل به وليس فيه إلا الحبر، فسأرد عليك من ذلك كتب سنوات، وأعوضك برسائلي كلاماً فيه دمع العين ودم القلب، وإني راميك بأسهم لا قاصرات عن قلبك تنزل دونه، ولا زائدات تمر عليه وتتجاوزه، بل مسددات يقعن فيه".


وأنا أقرأ هذا النص الأدبي الإنساني البديع البليغ، الذي لم يكن فيه على الحقيقة رسائل ولا صديق، إنما كان الرافعي يخاطب نفسه، ويبث أحواله إلى محبوبته، تفكرت في ما تفعله شمس الحب إذا أشرقت على قلب إنسان، كيف تبدل صفاته، وتغير حياته وشؤونه، فيعيش بحب، وينظر بحب، ويشكر بحب، ويحزن بحب.


وأي قوة خارقة سوى عينين ذابلتين أحسن الله خلقهما وقدّر بحكمته أن يكون سهمهما نافذاً إلى قلب هذا الإنسان، قادرة على مثل هذا التأثير، وليست هذه الشمس إلا رحمة وهبة من الله، فالحب أرقى ما أودعه الله في القلوب، وأسمى ما أنزله من السماء إلى الأرض.


وتذكرت قصة ذلك العربي الذي بلغه أن ابنه عشق، فشكر الله وأردف: "الحمد لله.. الآن رقت حواشيه ولطفت معانيه وملحت إشاراته وظرفت حركاته وحسنت عباراته وجادت رسائله وحلت شمائله فواظب على المليح واجتنب القبيح".


وكما قيل فإن "العِشق يُشجِّع جنانَ الجبَان، ويُصَفِّي ذِهنَ الغَبِيِّ، ويُسخِّي كَفَّ البَخِيلِ، ويسكن نَوافِر الأَخلاق".


فالحب وُجد ليكسر أصنامك، ويهزم أنانيتك، ويحيي كل ميت بداخلك، وجد الحب لتعود إلى إنسانيتك، تتعشق محبوبك، فترى به جمال الكون وجمالك.


فترى الإنسان وقد كان حريصاً على الدنيا، يبذل في محبوبه كل ما يملك عن حب ورضى، وتراه وقد كان مستعلياً، هيناً ليناً مع محبوبه، وقد كان يرى في نفسه كل شيء، لا يرى إلا محبوبه ولا يهنأ إلا به.. "فبعدكم موت وقربكم حياة".


وهكذا يربي الحب إنساناً رحيماً صاحب قلب حي، يميز بين الجميل والقبيح، يلاطف الخلق ويسبح بجمال الخالق، حتى وإن عاش في زمن زاد فيه الجفا وطغت فيه المادية والأنا.

مواد ذات صلة

نوادر الشعر الجاهلي وقصص الكرم إرث
08 May 2026 | أحمد محمود
نوادر الشعر الجاهلي وقصص الكرم

نص تمهيدي قصير يفتح الباب أمام القارئ لاكتشاف الفكرة الأساسية للمادة، ويمنحه لمحة عن التجربة والأسئلة التي يناقشها المقا...

بلاغة الأمثال العربية في الحياة اليومية إرث
07 May 2026 | أحمد محمود
بلاغة الأمثال العربية في الحياة اليومية

نص تمهيدي قصير يفتح الباب أمام القارئ لاكتشاف الفكرة الأساسية للمادة، ويمنحه لمحة عن التجربة والأسئلة التي يناقشها المقا...

حكاية كلمة: من المعنى إلى الذاكرة إرث
06 May 2026 | أحمد محمود
حكاية كلمة: من المعنى إلى الذاكرة

نص تمهيدي قصير يفتح الباب أمام القارئ لاكتشاف الفكرة الأساسية للمادة، ويمنحه لمحة عن التجربة والأسئلة التي يناقشها المقا...