"لا أريد أن تكون حياتي طويلة، أريدها عميقة.. أن أمرًّ أنا بالأيام لا أن تمرَّ بي".. هكذا أراد شمس التبريزي وهذا ما يريده ويسعى إليه صاحب القلب الحي.
تفكرت كيف للإنسان أن تكون حياته على هذا الوصف الدقيق والمعنى العميق، بعد جولة أنيسة في قونية بلاد الحب، حيث السكينة حاضرة، والمودة ظاهرة ومعاني الحب وافرة، في حضرة شمس التبريزي وجلال الدين الرومي، فوجدتها في أربع معاني:
الحركة
يبدأ الإنسان بالحركة والسيّر في هذا الكون الرحيب، والتعرف على ما فيه من كائنات ومخلوقات وأشكال وأنماط وألوان وآيات، بصحبة قوله تعالى: ( قل سيروا في الأرض)، وهذا السير؛ الداخلي والخارجي، الظاهر والباطن، يكوّن لدى الإنسان مشاهد، مما قابله من عجائب، فتثير عنده التساؤلات، وتدفعه إلى التفكر والتدبر.
النظر
ومن الحركة إلى النظر، تحققًا بـ : ( قل سيروا في الأرض فانظروا)، فتبدأ مرحلة التأمل التي كانت ثمارها على هذا الوجود، إكرامًا لسيد الوجود، وحيٌ من السماء ورسالةٌ خالدة ونور أبدي.
نظرٌ مستمرٌ في الأكوان، وتأمل في ذات الإنسان، مصاحب لكل حركة، ومعاني تتدفق عند كل مشهد لمّا خَلُصَ المقصد، وكلما صفت منابع النظر والتأمل، زادت العبر ولطفت الإشارات.
الإحساس
وكما تفتقت للإنسان معاني ومكنونات الأكوان، وآيات إبداع الخالق المصورالمنان، تتفتق له مكنوناته الداخلية وأسراره الذاتية، فتفيض أفهامه وتترقى مشاعره، تلك التي تجعل الإنسان إنسانا.
فتراه يحب ما حوله، ويعطف على كل ما يراه، مسنجماً مع محيطه، متفاعلاً مع كل أبعاده، مبحراً في قوله تعالى: ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده )، فيقف عند منابع الاستمداد، ويدهشه الجمال ويؤنسه النوال، ويتعامل مع الأشياء بحقائقها لا بصورها.
التأثير
ليصل بهذا الحال إلى التأثير، وفهم مقاصد التسخير، قال الله تعالى: ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه )، فيحول هذه الأفهام والمشاعر إلى مظاهر تخدم الإنسانية، وتنفع المنظومة الكونية، بأن يكون سببًا في الدلالة على الوهاب والإشارة إلى الموهوبات، والإحساس بأهل الوهاب.
شاكراً لله على ما أعطاه من تسخير الأسباب، وما حباه من فهم وذوق وإدراك، وما خصه من وراثة، وما أكرمه بجعله من مظاهر الخلافة الربانية، ومعاني الرحمة المحمدية.
فمن الحركة إلى النظر إلى الإحساس إلى التأثير..
كله مستودع فيك.. في داخلك أيها الإنسان.