قالت لي أمي ذات صباح في نبرةٍ لا تخلو من القلق - بعد حوار طويل ونقاش عميق- : «ليش صرتِ متعبة هيك؟ ليش صرتِ تشوفي سوء النية في الكل؟ ومين مفهمك انه في شي مخبّى عنك!؟ الحقيقة أن أمي لم تكن تسأل بقدر ما كانت تُشير؛ تُشير إلى تلك المسافة غير المرئية التي بدأتُ أضعها بيني وبين الآخرين إلى الحذر المفرط.. إلى الأسئلة التي تسبق الثقة.. يومها أدركتُ أن شيئًا ما تغيّر في داخلي وأن الحذر الذي أمارسه لم يعد مؤقتًا إذ أصبح أسلوب حياة.!
الصحافة لا تعلمك الكذب لكنها تعلّمك الشك.! فهي لا تمنحك اليقين إنما تُدرّبك على ارتيابٍ منهجيّ.. أن تسأل عمّا وراء الخبر عمّن كتبه ولماذا كُتب الآن ولمصلحة من صيغ بهذه الطريقة! ومع الوقت يتحوّل هذا التدريب من مهارة مهنية إلى طريقة تفكير شاملة تمتدّ من الخبر إلى الخطاب ومن النص إلى الإنسان.!
في البداية بدأ الشك نوعًا من النجاة؛ بمعنى شعور أنني أقل سذاجة وأكثر وعيًا وأقدر على حماية نفسي من الخديعة لكن ما لم أتنبه له هو أن هذا الشك لا يعرف حدوده.! لا يتوقف عند السياسة ولا عند الإعلام إنما ينسحب بهدوء إلى العلاقات اليومية وإلى أبسط التفاعلات الإنسانية.. فجأة تصبح النوايا محل تساؤل حاضر في كل لقاء: هل يقول هذا لأنه صادق أم لأنه يريد شيئًا؟ هل هذا القرب حقيقي أم مؤقت؟ هل النوايا تُقال فعلًا أم تُخفى دائمًا.!
هذا التحول لم يكن خارج صديقاتي؛ فلم أعد أستمع لهنّ كما كنت ولا أتعامل مع كلماتهنّ بعفوية سابقة فصرتُ أزن الجملة أكثر مما أحتضن المعنى وأبحث عمّا وراء الكلام بدّل أن أطمئن إلى نبرته فأنا لم أخسرهنّ فعليًا لكنني خسرت الخفة التي كانت تجعل العلاقة أكثر إنسانية .! فكنتُ حاضرة بينهنّ بجسدي وغائبة بشيءٍ من قلبي.. لقد كان الشك دائمًا جالسًا معي على الطاولة!
مع هذا التراكم بدأت ألتزم الصمت أكثر مما أتكلم فصار الكلام يبدو لي هشًا سريع الانكشاف قابلًا لسوء الفهم أو التأويل فاحتفظتُ بأفكاري داخلي لا لأنني لا أملك ما أقوله إنما لأنني لم أعد أثق بمصير ما يُقال بعد أن يخرج.. بدأ الصمت أقل كلفة من الشرح وأأمن من التبرير فاخترته كمسافة أخيرة تحميني من خيبات لم أعد أملك طاقة احتمالها.
لم تكن أمي ناقدة للصحافة؛ فقد كانت تشتاق لنسخةٍ أقل إنهاكًا مني نسخة لا تُفكّك كل كلمة ولا تتوقّع الخذلان مسبقًا ولا ترى في كل علاقة احتمال خيبة.. يومها فهمت أن الوعي إذا لم يُضبط قد يتحوّل إلى عبء وأن الشك إن لم يُرافقه قدر من الثقة يصبح شكلًا آخر من العزلة.! لقد أدركتُ حينها أنَّ العلاقاتِ لا تُبنى دائماً على الأدلة ولا تُدار بمنطق التحقيق، كما أنها لا تحتملُ أن تُعامل كملفٍّ مفتوحٍ بلا نهاية؛ فالشكّ حين يتحوّل إلى نمط حياةٍ يفقد وظيفته الوقائية إذ يبدأ بإتلاف أبسط أشكال الطمأنينة.
لقد منتحتني الصحافة عينًا يقِظة لكنها سلبتني أحيانًا راحة البال وما زلت أتعلم ببطء، أن أترك للمهنة أدواتها وللناس مساحتهم الإنسانية فليس كل من يقترب يحمل نية خفية وليس كل طيبة فخًا أحيانًا يكون أكثر الأسئلة شجاعة هو.. متى نتوقف عن الشك.!